منوعات

الجمبري المسـ,ـروق ج 2 حكـايات مني السيد

أحمد بص لأمه بنظرة ألم عميقة وقال:
— إنتِ ما ربيتنيش يا أمي… إنتِ ربيتي سامح بس. إنتِ كنتِ بتستخدميني خادم وممول لمشاريع سامح. أنا طول الست سنين اللي فاتوا كنت فاكر إنك صابرة ومعذبة، وكنت بشيل الجزمة وأحطها على رأسي عشان رضاكي… اتاري رضاكي كان بتمن، والتمن ده هو شقايا وصحة بنتي كرامة مراتي!
أحمد مشى ناحية باب الأوضة، فتح الباب وجاب الشنطة الكبيرة بتاعة حماتي اللي كانت جاية بيها من ست سنين، وحطها في نص الصالة.
وقال بصوت صارم، صوت راجل أخد قراره وما فيش قوة في الأرض هترجعه عنه:
— سامح…

إنت قدامك حلين مالهمش تالت.
الحل الأول: بكره الصبح الساعة تسعة الصبح، نكون واقفين قدام شهر العقاري والمحامي. تنازل لي عن نصيبي الكامل في ورث أبويا، بما فيه أرباح المشروع اللي عملتوه بفلوس المحل والأرض طول السنين اللي فاتت، وتبعت لي أصل الشيكات وإقرارات الدين المزورة عشان نولع فيها قدام المحامي. وتدفع لي كل المصاريف والعلاجات اللي أنا دفعتها لأمي طول الست سنين اللي فاتوا، لأنك إنت اللي كنت بتشفط أرباح المحل والأرض لوحدك!
سامح بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت خافت:
— والتاني…؟
أحمد قال بثبات:
— الحل التاني:

التسجيل ده والتقارير الطبية وصور العقود المزورة هتكون عند النائب العام بكرة الساعة عشرة الصبح. ساعتها التزوير والجناية هتطولك إنت وأمي، لأنها كانت شريكة معاك وباصمة في التوكيل المزور!
حماتي شهقت وصرخت:
— عايز تسجن أمك يا أحمد؟!
أحمد بص لها وقال:
— أنا مش هسجن حد… أفعالكم هي اللي هتسجنكم. القانون هو اللي هيحاسبكم. وأنا مش هظلم حد، أنا باخد حق بنتي وحقي اللي أكلتوه بالباطل.
ثم مسك شنطة أمه وحطها قدام سامح:
— ودلوقتي… تاخد أمك معاك. الشقة دي شقتي، جبيتها بعرقي وشقايا، ومحدش هيدخلها تاني يظلم بنتي ولا يقلل من مراتي.

أمك تعيش معاك في شقتك الكبيرة اللي اتشرت بفلوس أبويا. تعيش مع ياسين “حفيدها الولد” اللي هيشيل اسم العيلة، وخلي ياسين يشيل مصاريف علاجها وأدويتها من أرباح المشروع اللي سرقتوه مني!
سامح كان واقف مكسور، ما قدرش ينطق بكلمة واحدة. عارف إن أحمد ماسك كل الخيوط في إيده، وإن أي حركة غلط هتوديه في داهية. بص لأمه وقال بصوت مهدود:
— يلا يا أمي… قومي معايا.
حماتي وقفت ببطء، بصت للشقة اللي عاشت فيها ست سنين بتتآمر وتتحكم، بصت لي أنا وأحمد ونظرتها كانت مليانة هزيمة.

ما قدرتش تتكلم، خرجت بخطوات تقيلة، وسامح ماشي وراها شايل شنطتها كأنه شايل هم الدنيا فوق كتافه.
قبل ما يقفل الباب، سامح بص لأحمد وقال:
— بكرة الساعة تسعة… هكون عند المحامي بالورق كله والشيكات.
أحمد هز رأسه ببرود:
— مستنيك.
الباب اتقفل.
الهدوء نزل على الشقة تاني، بس المرة دي كان هدوء راحة، هدوء بعد العاصفة لما تنضف الجو وتطير كل القش والتراب.
جمالات قربت من أحمد، طبطبت على كتفه بابتسامة فخر وقالت:
— برافو عليك يا أحمد… طالعة راجل من ظهر راجل.

أبوك الله يرحمه دلوقتي مرتاح في تربته لما شافك بتاخد حقك وحق بنتك بالعدل والقانون. أنا كده أديت الأمانة اللي أبوك سابها معايا، وأقدر أمشي وأنا مرتاحة.
أحمد مسك إيد خالته جمالات وقالها بامتنان:
— أنا مش عارف أملك إيه يا طنط جمالات… لولا وجودك والورق اللي معاكي، كنت هفضل عايش في الغفلة دي عمر كله، وكنت هفضل فاكر إن أنا المقصر في حقهم.
جمالات ابتسمت وقالت:
— حقك يا ابني. والظلم ما يدومش أبداً. أنا هبقى معاكم بكرة عند المحامي عشان أضمن إن كل حاجة تمشي صح.

ودعنا طنط جمالات، ولما الباب اتقفل وراها، الصالة بقت فاضية ونظيفة.
أنا مشيت ناحية أحمد. كان واقف عند السفرة، باصص لكيس الجمبري اللي كان سبب في كشف كل القرف ده.
أحمد بص لي، وعينيه كانت مليانة دموع، بس المرة دي كانت دموع ارتياح وشفاء من جرح قديم.
أنا قربت منه، مسكت إيديه الاتنين وقلت بصوت حنين:
— الحمد لله يا أحمد… الحق ظهر. ربنا ما بيرضاش بالظلم أبداً.
أحمد مسك إيدي بقوة، وباس رأسي وقال:
— أنا آسف يا حبيبتي… آسف على كل يوم است حملتي فيه الظلم ده عشان خاطري.

آسف إن كنت أعمى ومش شايف اللي بيحصل في بيتي وفي بنتي. يوعدك من النهاردة، محدش هيقدر يجي على كرامتك ولا على حق مريم تاني أبداً.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بالراحة، ومريم خرجت ببطء، بصت حولها ولقيت الصالة فاضية ومفيش غيرنا.
قربت منا بخطوات صغيرة وقالت بابتسامة بريئة:
— بابا… تيتة وعمو مشيوا؟
أحمد قعد على ركبه، وفتح دراعاته لمريم. مريم جريت عليه وحض.نته بقوة. أحمد ضمها لصدره وباسها في خدها وقال بصوت مليان فرحة:
— أه يا روح بابا… مشيوا. والبيت ده بقى بتاعنا إحنا وبس. محدش بياخد حاجتك تاني أبداً.

مريم بصت للسفرة وقالت بفرحة طفولية:
— يعني الجمبري بتاعي لسه هنا؟
أنا أبتسمت وضحكت من قلبي، ورفعت كيس الجمبري اللي كان لسه دافي:
— أه يا ستي… الجمبري بتاعك لسه هنا وزي ما هو. يلا بينا ندخل المطبخ ونسخنه، ونقعد ناكل أحلى غدوة إحنا التلاتة مع بعض!
مريم تسقف بإيدها وجريت على المطبخ وهي بتغني وفرحانة.
أحمد وقف، ومسك إيدي، وبص لي بابتسامة صافية أول مرة أشوفها على وشه من سنين. ابتسامة راجل رجّع هيبته ورجّع حقه، وحمى بيته وبنته من أقرب الناس ليه.

دخلنا المطبخ مع بعض، والبيت اللي كان مليان نكد وغدر ست سنين، أخيرًا بقى مليان بضحك مريم وريحة الأكل الدفية، وراحة البال اللي ما تتقدرش بمال الدنيا.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى