
الخوف اللي كان مالي قلبي من شوية بدأ يتحول لغضب. مسكت موبايلي واتصلت بأختي. — ألو؟ — أيوه يا حبيبتي. قلت لها: — محتاجة منك خدمة. — قولي. — بكرة الصبح عايزاكي تيجي مع جوزك. — ليه؟ — عشان هنروح مكان. — فين؟ بصيت ناحية الباب. — الشهر العقاري. سكتت أختي لحظة. — هتعملي إيه؟ قلت: — هعرف البيت ده فعلًا باسم مين. في اللحظة دي، سمعت صوت جوزي ورا الباب.
— إنتِ بتتكلمي مع مين؟ قفلت المكالمة. فتح الباب. دخل وبص لي. — بتخططي لإيه؟ قلت: — مش بخطط. — أمال؟ — بحاول أعرف الحقيقة. قعد قدامي. وبص لي فترة طويلة. ثم قال: — أنا غلطت. سكت. — غلطت إني خبيت عنك موضوع البيت. قلت: — دي مش غلطة صغيرة. — عارف. — وإيه تاني مخبيه؟ ما ردش. قلبي وقع. — إيه تاني يا أحمد؟ فضل ساكت. قلت: — بص في عيني وقولي مفيش حاجة تانية.
رفع عينه. وقبل ما يتكلم… سمعنا صوت خبط على الباب. جوزي خرج. وبعد ثواني رجع وهو ماسك ظرف بني. حطه قدامي. — ده كان لازم تعرفيه من زمان. فتحته بإيدي المرتعشة. جوا الظرف كان فيه عقد. قريت أول سطر. وبعدين بصيت لجوزي. — ده عقد بيع؟ هز رأسه. — أيوه. — بيع إيه؟ قال بصوت مكـ,ـسور: — الشقة اللي إحنا قاعدين فيها. اتجمدت. — مين باعها؟ سكت. — أحمد… مين باعها؟
قال: — أنا. بصيت له بعدم تصديق. — بعتها لمين؟ خفض عينه. — لنورا. ضحكت من الصدمة. — يعني أختك بقت صاحبة البيت؟ — أيوه. — وبفلوس مين؟ سكت. فهمت من سكوته. — فلوس القرض؟ هز رأسه. قلت: — طب ليه نورا اشترت البيت منك؟ ما ردش. فصرخت: — ليه؟! وهنا قال الجملة اللي خلتني أحس إن قلبي وقف: — لأنها مش أختي بس… سكت. — أمال إيه؟ رفع عينه لي وقال:
— لأنها هي اللي أنقذتني من السجن. اتسعت عيني. — سجن؟! قال: — أنا كنت داخل في ق\ضية… والقرض اللي قلت لك عليه مش هو الحقيقة كلها. قربت منه. — إنت عملت إيه يا أحمد؟ بدأت دموعه تنزل. — أنا مضيت على ورق… وأنا فاكر إنه شغل عادي. — وبعدين؟ — الورق طلع شيك بمبلغ كبير. — وإنت مضيته ليه؟ — عشان كنت محتاج فلوس. سكت لحظة. ثم قال: — ولما الموضوع اتكشف، نورا دفعت المبلغ كله.
قلت: — عشان كده بعت لها البيت؟ هز رأسه. — أيوه. بصيت للعقد. — يعني إنت ضحيت ببيتنا عشان تسدد دينك؟ قال: — ما كانش قدامي حل. رديت: — كان قدامك حل. — إيه؟ — تقول لي الحقيقة. سكت. قلت: — كنت هقف جنبك. ثم حطيت إيدي على بطني وقلت: — بس إنت اخترت تخلي مراتي وطفلك عايشين في بيت مش ملكنا… وتخبي عليا. جوزي بكى. وأنا لأول مرة ما قدرتش أواسيه.
لأن في اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت. وفجأة… سمعنا صرخة حماتي من الصالة: — حد يلحقني! خرجنا نجري. لقيناها واقعة على الأرض، والظرف اللي فيه الفلوس واقع جنبها. لكن المفاجأة مش كانت إنها وقعت. المفاجأة إن الظرف كان مفتوح… والفلوس كلها اختفت. وأختي كانت واقفة عند باب الشقة. بصت لنا وقالت: — أنا عارفة مين أخدهم. بصيت لها. — مين؟ أشارت ناحية باب الشقة المفتوح. وقالت: — نورا. سكتنا كلنا.
ثم أضافت: — وهي مش هتختفي بالفلوس بس… — دي هتروح تعمل حاجة أخطر. وبصت لي وقالت: — لأنها عرفت إنك اكتشفتي سر البيت.أكيد، هختمها بنهاية قوية ومقفولة بصيت لأختي وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه. — نورا هتعمل إيه؟ أختي ردت: — هتبيع البيت. جوزي اتصدم. — إيه؟! — أيوه… نورا باعت البيت من يومين، والفلوس اللي كانت معاها مش بتاعة البيت بس. بصيت لحماتي. — أمال إيه؟
أختي طلعت موبايلها وفتحت صورة. — دي صورة من عقد البيع. جوزي خطف الموبايل من إيدها. قرأ العقد، ووشه اصفر. — مستحيل… قلت: — في إيه؟ قال بصوت متقطع: — نورا باعت البيت… من غير ما تقول لي. حماتي انهارت. — يعني هنروح فين؟ بصيت لها بهدوء. — نفس المكان اللي كنتِ بتقوليلي عليه: “هتروحي فين؟” سكتت. ثم قلت: — عند أخواتي. جوزي قرب مني. — وأنا؟ بصيت له طويلًا.
— إنت هتكون أبو ابني… وده عمره ما هيتغير. اتنفس براحة. لكن كملت: — إنما تكون جوزي؟ دي حاجة لازم تتبني من جديد. دموعه نزلت. — هصلح كل حاجة. قلت: — مش بالكلام. — أعمل إيه؟ — أول حاجة ترجع فلوس أخواتي. — هبيع حاجتي كلها. — وتاني حاجة، تقول الحقيقة من غير ما تخبي حاجة. هز رأسه. — وتالت حاجة؟ بصيت لحماتي. — مفيش حد يمد إيده على رزق أخواتي تاني.
حماتي نزلت عينيها. وبعد يومين، ولدت. وأول ما سمعت صرخة ابني، حسيت إن الدنيا كلها اتولدت معاه من جديد. أخواتي كانوا واقفين حواليا. واحدة ماسكة إيدي، والتانية بتبكي، والتالتة بتضحك. دخل جوزي وشال ابنه بين إيديه. بص لي وقال: — سامحيني. ابتسمت. — أنا مش عايزة أعيش باقي عمري وأنا شايلة منك. سكت. — بس السماح مش معناه إني أنسى. هز رأسه. وبعد شهور، قدرنا نرجع جزء كبير من فلوس أخواتي، وبعنا حاجات كتير عشان نكمل الباقي.
أما البيت، فخسرناه فعلًا. لكن الغريب إن خسارة البيت كانت أول مرة أحس فيها إني كسبت نفسي. سكنت فترة عند أختي. وجوزي فضل يشتغل من الصبح لحد الليل، وكل قرش كان بيجيبه كان بيحطه قدامي ويقول: — المرة دي… مفيش أسرار. ومرت سنة. وفي يوم، رجع أحمد من شغله وهو ماسك مفتاح في إيده. حطه قدامي. — ده إيه؟ ابتسم وقال: — بيتنا. فتحت عيني. — اشتريت بيت؟ هز رأسه.
— المرة دي البيت باسمي… وباسمك. بصيت له، ودموعي نزلت. قال: — مش عشان أقول لك إني عوضتك عن اللي فات. وسكت لحظة. — عشان أثبت لك إني فهمت إن البيت مش حيطان. ثم بص لابنه وقال: — البيت هو المكان اللي محدش فيه يحس إنه غريب. حضنت ابني، وبصيت لأخواتي اللي كانوا واقفين جنبي. وساعتها فهمت إن أمي وأبويا رغم إنهم مش موجودين… إلا إنهم سايبين لي أعظم ثروة:
أخوات يخافوا عليا أكتر من خوفهم على فلوسهم. أما حماتي… فبعد كل اللي حصل، اعتذرت لأول مرة. ما سامحتهاش فورًا. لكن قلت لها: — أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل… بس من النهارده، كل واحد يعرف حدوده. هزت رأسها وهي بتعيط. ومن يومها، علاقتنا اتغيرت. مش بقت مثالية… لكن بقت فيها حدود. وأنا؟ اتعلمت أهم درس في حياتي: مش كل بيت فيه عيلة يبقى فيه أمان… ومش كل حد بيقول “أنا بعمل ده لمصلحتك” بيكون فعلًا خايف عليك.
وأحيانًا… الخسارة اللي بتوجعك في البداية، هي نفسها اللي بتكشف لك مين كان بيحبك بجد… ومين كان بيحب اللي يقدر ياخده منك. النهاية