
سحبت العقود الموقعة، وأعطيت الشيك للمستشفى مباشرة لتأمين عملية الحاج عبد الجواد. وفيما كان الأطباء ينقلون والده لغرفة العمليات، وقفت أمامه أضع النقط فوق الحروف: – “أبوك يخرج بالسلامة، وياخدك إنت وأختك ومريم ومرتك اللي طردتها وتروحوا تدوروا لكم على مكان ينفعكم.. أمامكم 48 ساعة فقط لإخلاء الشقة بالكامل، ولو لمحت حتة قماش تخصني اتلمست، البلاغ الجنائي بتبديد الأموال هيتحرك فورًا للنيابة.” تركته ملقى على الأرض في حسرته، وتوجهت فورًا إلى العمارة.
كانت شيرين قد عادت برفقة شقيقها ووالدتها محاولين اقتحام الشقة بالقوة لأخذ أمتعتها وثيابها، يصرخون في الصالة ويشتمون، ومريم تبكي في الزاوية تت حسر على مستقبلها المهدم. لكن المفاجأة كانت بانتظارهم؛ عندما قدمت ومعي قوة تنفيذية ورجال حراسة تابعين للشركة الاستثمارية. صرخ شقيق شيرين بقلة أدب: “إنتِ فاكرة نفسك مين يا ست إنتِ؟ الشقة دي شقة أختنا وجوزها، وأي حاجة هنا تلزمنا!” تقدمت الأستاذة إلهام، المحامية الثانية فيفريقي، ورفعت في وجهه القرار القضائي الرسمي بالطرد والتحفظ:
– “أستاذ.. أي اعتداء أو إتلاف للمحتويات هيعتبر إتلافًا عمديًا لأملاك شركة مساهمة، والست شيرين ملهاش أي صفة هنا بعد تنازل زوجها رسميًا عن كامل الحصة اليوم وتطليقها شفاهة وأمام شهود أمس!” شحبت ملامح شيرين، وصرخت بذهول: “طردني؟! طارق تنازل وطردني؟!” رددت عليها بابتسامة نصر هادئة: – “طردك وربط رقبتك بالتنازل عشان ينقذ أبوه من المستشفى اللي إنتِ وياه وصلتوه ليها. يلا يا شيرين.. لمي بلاويكِ وإتيكيتك في شنطة واحدة واطلعي بره أرض أبويا، عشان الزبالة اللي رميتي فيها أكلي بالأمس، أصلها مكان لكل واحد يتطاول على سياده!”
انهارت شيرين في البكاء وهي تلملم أغراضها الشخصية وسط نظرات الجيران الذين تجمعوا في السلم يرقبون طرد “الهوانم” اللاتي طالما تعالتن عليهم. وخرجت مريم تتجرجر خلفها، تسحب حقائبها بكسرة خيبة لا توصف، بعد أن فقدت الخطيب، والبيت، والعز المزيف. جلست في منتصف الصالة الفارغة، تنفست الحرية لأول مرة منذ خمس سنوات. البيت أصبح ملكي بالكامل، والحق عاد لأصحابه. لكن لم تكن هذه هي النهاية.. فتحت هاتفي وأرسلت رسالة أخيره لطارق أبلغ فيها بموعد الجلسة الأخيرة للإشهار الرسمي للطلاق والتعويض المالي، وأنا أعلم أن مفاجأة اليوم التالي ستدمر ما تبقى من حصونه تمامًا!
في صباح اليوم التالي، جلستُ في قاعة محكمة الأسرة. كانت القاعة تعج بالحركة، لكن هدوئي كان أشبه بصفحة ماء راكدة لا تهزها الرياح. دخل طارق القاعة برفقة محامٍ مبتدئ يبدو عليه الارتباك. كان طارق قد فقد كل علامات القوة والاعتداد بالنفس؛ وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وينظر إلى الأرض وكأنه يهرب من مواجهة وجهي. جلس أمام القاضي، ووقف الأستاذ فتحي يرفع ملف الدعوى المكتمل:
– “سيدي القاضي.. نقدم لسيادتكم إقرار التنازل الرسمي والموثق عن كافة حقوق وممتلكات الزوج لصالح موكلتي، بالإضافة إلى التقارير المالية الجنائية التي تثبت اختلاس الأرباح طوال خمس سنوات، ونطلب التطليق للضرر مع إلزام المدعى عليه بدفع كافة المتأخرات والتعويض عن الضرر النفسي والمادي.” القاضي نظر إلى طارق وسأله بنبرة حاسمة: – “هل لديك أي اعتراض أو رد على المستندات المقدمة يا أستاذ طارق؟” وقف طارق وصوته يرتجف، ينظر إليّ بنظرة توسل أخيره، لكنه لم يجد في عيني سوى جدار من الصلب:
– “لا يا سيادة القاضي.. أنا مقر بكل حاجة، ومستعد لكل الشروط.” بضـ,ـربة مطرقة واحدة، أعلن القاضي الحكم: “حكمت المحكمة بتطليق المدعية نورهان طلاقًا بائنًا للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة التعويضات والمستحقات المذكورة.” خرجت من قاعة المحكمة بحرية تامة، وأنا أشعر أن الجبال التي كانت تجثم على صدري قد تلاشت إلى الأبد. في الخارج، وقف طارق يحاول الحديث معي للمرة الأخيرة: – “نورهان.. أنا جاني جزائي، وخسرت الشقة، والعمارة، والشركة، وحتى أبويا مش قادر يبص في وشي بعد ما عرف كل اللي عملته. شيرين وأهلها رفعوا عليا قضايا، ومريم اختفت ومش راضية تتكلم.. أنا اتدمرت تمامًا.”
توقفتُ ودفـ,ـنتُ يدي في حقيبتي، ثم نظرتُ إليه بجمود تام وقيلت له كلماتي الأخيرة: – “إنت ما اتدمرتش بسببي يا طارق.. إنت اتدمرت لما استهنت ببنت الناس، لما نسيت الفضل، ولما سمحت لغيرك يكسر كبريائي قدامك وأنت ساكت. العز اللي ما يصونش صاحبه ولا يحترم أصله، يغور في ثواني. ربنا ما بيسيبش حق مظلوم، ودعوة أبويا الفلاح الله يرحمه هي اللي ردتلي حقي في الدنيا قبل الآخرة.” تركته واقفا في منتصف الممر يجر أذيال الخيبة والندم، وركبت سيارتي متجهة نحو بيتي الكبير.. بيتي الذي أصبح الآن ملكي وحدي بالكامل.
في مساء ذلك اليوم، أعددتُ السفرة بنفسي في الشقة ذاتها. أخرجتُ الأطباق الأنيقة، وطبختُ “الفراخ البلدي المحمرة بالدقة” بنفس الطريقة التي كان يحبها أبي الله يرحمه. جلستُ أكل في هدوء وراحة بال لم أذقها منذ سنوات. أكلتُ وأنا مرفوعة الرأس، في بيتي وأرضي، أسترجع ذكرياتي العذبة دون خوف أو إهانة من أحد. تلك الليلة، أغلقتُ باب الماضي إلى الأبد، وتأكدتُ أن المنكسر حقًا ليس من لا يملك ظهرًا، بل من يبيع أصله وكبرياءه من أجل مظاهر زائفة، وأن من يستند إلى الحق والعدل.. يصنع لنفسه ظهرًا لا ينحني أبدًا.
