منوعات

سلفتي حكايات رومانى مكرم 1

سقطت الصينية من يد شيرين التي كانت تتابع من بعيد، وصرخت مريم: “إنتوا بتخرفوا بتقولوا إيه؟! البيت ده بتاع أبونا!” رد الأستاذ فتحي بابتسامة سخرية: “أبوكم كان شريك بالنصف فقط، والست نورهان باعت حصتها بالكامل بمليون وثمانمائة ألف دولار لعملائنا، ومعايا أمر قضائي بوضع اليد والتسليم اليوم.” التفت طارق إليّ، وعيناه تأكلان وجهي من الصدمة والرعب، يداه ترتجفان وهو يحاول الإمساك بذراعي: “نورهان.. إنتِ بتعملي إيه؟ إنتِ اتجننتِ؟ بتبيعي شقا عمري وعمر أبويا للأغراب؟”

سحبت يدي بمنتهى القوة والاشمئزاز، ورفعت رأسي بثبات: – “شقا أبوك؟ الأرض دي أرض أبويا، والفلوس اللي كبرتكم وصرفت على تعليم أختك وجوازتك من هانم الهوانم دي، كانت من خير أبويا اللي كنت بتقول عليه فلاح! الفلاح ده سابلي ورث يشتريك ويشتري العيلة دي كلها باللي فيها.” صرخت شيرين وهي تتقدم وهي ترتجف غضبًا: “إنتِ فاكرة نفسك مين؟ إحنا هنرفع عليكِ قضايا ونثبت إنك نصابة!” ابتسمت لها ببرود، وقربت منها خطوات حتى أصبحت على بعد سنتيمترات من وجهها المرتعب:

– “القضايا دي للمحترمين يا شيرين.. إنما القرف والزبالة اللي ترمت بقلة أدبك أمس، تكلفتها هتتدفع غالي أوي. الشركة المشترية جاية باستلام فوراي، ومن بكرة، الشقة دي برضه هيدخلها خبير يقيم إيجارها، يا تدفعوا إيجار النصف اللي ساكنين فيه بالسعر المالي الجديد، يا تتفضلوا تدوروا لكم على خرابة تليق بإتيكيتكم!” صدمة طارق كانت شلل تام، انهمرت دموعه لأول مرة وهو يراني أتحول من حمل وديع يخدمهم بالمسطرة، إلى نمر يجرح بلا رحمة. قال بصوت مكسور: “علشان فرخة يا نورهان؟ تبيعي حبنا وخمس سنين عشان طبق أكل؟”

رددت عليه بصوت هز أركان الصالة، صوت ملؤه الكبرياء المسترد: – “لا يا طارق.. مش عشان الفرخة. عشان الهيبة، عشان أصل أبويا اللي عبته، عشان الكسرة اللي كسرتها لقلبي وأنا بغرفلك الشوربة، عشان مسحت بيا الأرض عشان ترضي ناس بتبصلي بقرف. الفرخة كانت القشة اللي قطمت ظهر غرورك، وعرفتني إن اللي ملوش ظهر.. بيعمل لنفسه ظهر من حديد!” في تلك اللحظة، دخل اثنان من العمال المساعدين مع المحامي يحملون أجهزة قياس وشريط تعليم حوانب. أشار الأستاذ فتحي إلى الصالة والمطبخ وقال للعمال: “ابدأوا رفع المساحات من هنا.. الشقة دي مقسومة نصين من اليوم.”

وقفت مريم تبكي بهستيريا وهي تفكر في خطيبها وأهله القادمين مساءً، وشيرين جثت على الركبة تحاول استيعاب الكارثة، بينما وقف طارق كالصنم لا يملك من أمره شيئًا. مشيت باتجاه الباب، وسحبت حقيبة يدي الصغيرة، وقبل أن أخرج، التفت إليهم للمرة الأخيرة وابتسمت ابتسامة نصر جافة: – “عزومة بكرة إلغيها يا طارق.. أو أقولك؟ اطبخوا لهم فراخ بيضا بالزفرة اللي بتحبوها، أصل الفلاحين مش فاضيين يطبخوش لكم تاني!”

وقفت عند باب الشقة أراقب الفوضى التي أحدثتها كلماتي. كانت شيرين تحاول الاتصال بأقاربها وأيديها ترتجف، ومريم تبكي بصوت عالٍ وهي تصرخ: “خطابي جايين كمان كم ساعة يا طارق! هنقولهم إيه؟ هنقولهم إن العمارة مقسومة والمحامين جوه؟!” أما طارق، فكان يقف في منتصف الصالة كالمشدوه، ينظر إلى شريط القياس الذي يضعه العمال على الأرض، يُقسّم الشقة التي طالما افتخر بها أمام الجميع إلى أجزاء وحصص. اقترب مني بخطوات ثقيلة، وعيناه ممتلئتان بالتوسل والترجي بعد أن تساقط عنه قناع الكبرياء:

– “نورهان.. أرجوكِ، نعدي اليوم ده بس. خطيب مريم وأهله ناس كبار، لو شافوا المناظر دي الجوازة هتتخرب. اعتبريها خدمة أخيره، وبعدها نتفاهم ونعمل كل اللي يرضيكِ!” نظر إليّ المحامي الأستاذ فتحي منتظرًا إشارتي، فابتسمت بسخرية وقريبًا من طارق قولت بصوت خفيض وواضح: – “الجوازة تتخرب؟ وهما أهله يفرقوا إيه عني يا طارق؟ مش أنا برضه في نظرك ونظر أختك بنت فلاحين وما بفهمش في الإتيكيت؟ خليها تتجوز على حقيقتها، بلاش تخدعوا الناس بالإتيكيت المزيف بتاعكم.”

التفت للأستاذ فتحي وقولت بصوت مرتفع يسمعه الجميع: – “أستاذ فتحي، كملوا شغلكم عادي جدًا. وضع اليد والقفل الإداري للحصة التابعة للشركة يتم النهارده قبل الساعة أربعة العصر.. مش عايزة أي تأخير.” صرخت شيرين وهي تهرول نحوي: “إنتِ فاكرة نفسك مين؟ والله ما هسيبك تطلعي من هنا سالمة!” لكن حارس الشركة الخاص يتقدم خطوة واحدة للداخل، فوقفت مكانها متسمرة والخوف يملأ عينيها.

خرجت من الشقة وترك بابها مفتوحًا على مصراعيه للأوراق الرسمية والمحامين. نزلت سلالم العمارة بثقة جديدة، وبدلاً من أن أهرب أو أختبئ، توجهت مباشرة إلى المقر الرئيسي لشركات التوزيع والمحلات التي كان ينسى طارق أنها قائمة على شراكة أبي القديمة. دخلت المقر الرئيسي. الموظفون الذين يعلمون من أنا بالاسم فقط دون أن يروني منذ سنوات، فوجئوا بي أدخل برفقة المحامي الثاني ورجل أعمال ممثل للشركة الاستثمارية الجديدة التي اشترت حصتي.

جلسنا في مكتب مدير الإدارة، وقال المحامي بنبرة رسمية: – “من هذه اللحظة، تم تجميد كافة الحسابات البنكية الخاصة بالشراكة لحين إعادة الفحص المحاسبي وتعيين مراقب مالي جديد من طرف المشتري. يمنع الأستاذ طارق من التوقيع على أي شيكات أو سحب أي مصلحة مالية.” في هذه الأثناء، كان هاتف المحامي لا يتوقف عن الرن؛ طارق يتصل بوالده القديم المتنحي، يتصل بأعمامه، يحاول جمع العائلة للحاق بالمصيبة التي حلت بهم.

بحلول الساعة الرابعة عصرًا، كنت أقف في أسفل العمارة مجددًا، أرقب الشاحنة الصغيرة التي تنقل أمتعتي الشخصية فقط، دون أن ألمس شيئًا مما اشتريته لهذا البيت من مالي الخفي طوال خمس سنوات. نزل طارق يركض على السلالم، وجهه شاحب، وياقة قميصه مفتوحة، وراءه والده الحاج عبد الجواد بملامح يكسوها الذهول والتعب. وقف الحاج عبد الجواد أمامي، وقال بصوت مجهد: – “يا بنتي.. يا نورهان يا بنت الغالي، بقى تعملي فينا كده؟ إحنا أهل، ووالدك الله يرحمه كان أخويا وصاحبي!”

رددت عليه بثبات واحترام دون أن أتنازل عن حق: – “يا عمي عبد الجواد.. أبويا الله يرحمه كان صاحبك وأخوك، بس ابنك ومراته أكلوا حقي، أهانوا ذكراه، ورموا أ أكلي في الزبالة قدام عينيه وهو واقف يضحك ويقسوا عليّ. ابنك نسي إن الخير ده كله كان بفضل ربنا ثم بفضل أبويا الفلاح اللي استعروا منه. أنا ما ظلمتش حد، أنا أخدت حقي بالقانون بس.” صمت الش his المريض ولم يجد حرفًا يرد به، بينما وقف طارق ينظر إليّ بنظرة ذهول ورعب لم ألاحظهما فيه من قبل، وكأنه يكتشف لأول مرة من هي “نورهان”.

قاطعه صوت سيارة فخمة توقفت أمام الباب؛ إنه خطيب مريم وأهله وصلوا مبكرًا عن موعدهم، ليجدوا الشاحنة على الباب، والمحامين يضعون الشمع الأحمر على نصف المحلات التي أسفل العمارة، وطارق وأبوه يجادلون في الشارع! نزلت مريم من الأعلى وهي تبكي بحرقة وتصيح، بينما وقف خطيبها ينظر بريبة وذهول للموقف بأكمله. نظر طارق إليّ والدموع في عينيه، وقال بصوت خافت : – “دمرتيني يا نورهان..  العيلة كلها.” ركبت سيارتي الخاصة التي أكرمني الله بها، فتحت النافذة وقعدت ألقي عليه نظرتي الأخيرة قبل الانطلاق:

– “أنا ما دمرتش حد يا طارق.. إنتوا اللي بنيتوا عزكم على أرض هشة، ولما صاحب الأرض قرر ياخدها، وقع البناء كله فوق رؤوسكم. العز اللي ما يحترمش صاحبه.. زواله واجب!” تحركت السيارة، تاركة خلفي صراخ مريم، وذهول أهل خطيبها، وانهيار شيرين، وطارق الذي يرى عرشه الموهوم يتهاوى جصًا جصًا في منتصف الشارع.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى