منوعات

ست شهور بحوش ج 3 حكـايات مني السيد

أمه زقت كرسيه وقامت وقفت بال بالعافية وهي مستندة على عصايتها:
— يمكن السجن ينضفك ويرجع لك عقلك! الهدوم دي تاخدها وتغور بيها من بيتي. أنا ماليش ابن بالاسم ده لحد ما ترجع لمراتك حقها بالمليم وتطلب منها الس/لاح والمسامحة!
هبة مسكت دراع أحمد وزقته ناحية الباب:
— اطلع برة يا أحمد.. أمي ضغطها عالي ومش متحملة نشوف وشك. روح للست نهى بتاعتك تخليك تتصرف لك في الفلوس!
أحمد اتطرد من بيت أمه زي الكلاب، وهو شايل كرتونة واحدة من هدومه بالعافية، ونزل على السلم وصوت الباب بيرزع وراه.
النهارده التاني، الساعة اتناشر الضهر..

في المحكمة البحرية بالحي العاشر..
مريم كانت قاعدة مع الأستاذ أشرف المحامي في القاعة، مستنيين دورهم قدام القاضي في جلسة نظر طلب التمكين والاسترداد العاجل.
مريم كانت لابسة فستان أسود أنيق، وحاطة ميك أب هادي أوي، وشعرها متظبط، وبشكل يفيض بالثقة والراحة. أمها كانت قاعدة جنبها تمسك إيدها وبتدعيلها.
فجأة، أحمد دخل القاعة.
شكله كان يرحم ويرعب في نفس الوقت. كان لابس نفس الترينج القديم بس كان مبهدل أكتر، وشه دبلان، وعينيه أحمر زي الدم، وشعره منكوش. مكنش قادر يرفع عينيه في مريم.
قرب من كرسيه المحامي بتاعه وهو بيمشي ببطء شديد.

المحامي بتاع أحمد قرب من الأستاذ أشرف وتكلم معاه بصوت واطي:
— يا أستاذ أشرف.. الموكل بتاعي جاهز للتسوية الودية. مش عايزين القضايا تكبر أكتر من كده.
الأستاذ أشرف بص لمريم، ومريم هزت رأسها بالرفض القاطع وابتسمت للمحامي:
— التسوية شروطها واضحة يا متر. مافيش تنازل عن أي قضية ولا محضر قبل ما الشروط تتنفذ بالمليم.
المحامي بتاع أحمد تنهد وقال لأحمد:
— زي ما قلت لك يا أحمد.. موقفنا القانوني زبالة، والشركة باعتك خلاص. لازم تدفع.
أحمد قرب خطوة من مريم، وصوته كان بيرتعش زي الطفل الصغير:
— مريم..

أنا بعت عربيتي النهاردة الصبح. بعتها بأقل من سعرها عشان أجمع الفلوس.
مريم بصت له بكل هدوء واستخفاف:
— بعت العربية؟ كويس.. أديت الشركة الـ 85 ألف بتوعها؟
أحمد هز رأسه بكسرة:
— أيوة.. أديتهم الفلوس وقدمت استقالتي.. أنا اتفصلت خلاص يا مريم.. ومبقاش حيلتي حاجة. والـ 134 ألف بتوع المنتجع ضاعوا عليا لأن الحجز اتلغى بدون استرداد بناءً على طلب الشؤون القانونية للشركة.
مريم هزت رأسها بالراحة:
— زعلتني عليك يا أحمد.. بس ده حظك. وين الفلوس بتوعي؟ الـ 96 ألف و840 جنيه مصاريف البيت خلال الست شهور؟

أحمد حط إيده في جيبه وطلع شيك بنكي من باقي فلوس بيع العربية:
— الشيك ده بـ 100 ألف جنيه.. الـ 96 ألف بتوعك وباقي الفلوس تعتبريها مؤخرك. والمنقولات بتاعتك محطوطة في العربيات النقل قدام المحكمة دلوقتي، جاهزة للتسليم تحت إشراف المحضرين.
مريم أخدت الشيك من إيد المحامي بتاعها، وبصت فيه كويس، وقارنت الرقم بالدفتر اللي كان في شنطتها.
— مظبوط يا متر.. الحساب كده يتقفل بالنسبة للمصاريف والمنقولات.
أحمد بص لمريم بكسرة وأمل أخير:
— مريم.. إحنا كده خلصنا كل حاجة مالية.. أرجوكي تنازلي عن القضايا وخلينا نتطلق بالهدوء..

أنا اتدمرت خلاص، شغل وضاع، وسمعتي اتفضحت، وأمي مش عايزة تبص في وشي.. حرام عليكِ اللي عملتيه فيا ده!
مريم وقفت، قربت منه خطوة واحدة، وبصت في عينيه بثبات يقطع النفس:
— حرام عليا أنا يا أحمد؟
إنت اللي عملت كده في نفسك. إنت اللي فاكر إن الست لما بتحب وتضحي وتوفر من لحم حيها عشان تبني معاك، تبقى عبيطة ومستغفلة! إنت فاكر إن القوامة إنك تاكل شقايا وتصرفه على نزواتك وتحط اسم أمك كسبوبة تغطي بيها وساختك!
أنا معملتش فيك حاجة.. أنا بس سبتك تقع في الحفرة اللي حفرتها بإيدك.

سكتت مريم لحظة، وطلبت من المحامي ورقة التنازل عن المحاضر بعد ما استلمت المنقولات والشيك.
مريم توقّع على الورقة وادتها للمحامي وقالت بصوت واضح سمع القاعة كلها:
— تنازلت عن القضايا يا أحمد.. مش عشان خاطرك، عشان أنا مش عايزة أي حاجة تفكرني بيك أو تخليني أشوف وشك تاني في محكمة. إنت بالنسبة لي بقيت صفحة اتطوت وترمت في الزبالة.
أحمد فضلت واقف مكانه مش قادر ينطق، والدموع بتنزل من عينيه بالبطيء وهو بيشوف مريم بتمشي بثقة، ماسكة إيد أمها، وخارجة من باب المحكمة بكل كبرياء وشموخ.
بعد شهرين..
في أحد الكافيهات الهادية في المعادي..

مريم كانت قاعد مع صاحبتها سارة.
مريم كانت شكلها متغيّر تماماً. رجعت لجمالها، أنيقة، وحاطة الكريم اللي بتحبه، وابتسامتها مالية وشها. مريم استغلت جزء من فلوسها وقدمت على كورس متقدم في إدارة المكتبات والمعلومات، وجاء لها عرض شغل جديد في مكتبة مدرسة دولية كبيرة في التجمع الخامس بمرتب محترم أوي.
سارة كانت بتشرب القهوة وبتبص لها بإعجاب:
— والله يا مريم إنتِ بقيتي أسطورة! البنات في الجروبات كلها بيتكلموا عن اللي عملتيه مع أحمد! بس قوليلي.. ما عرفتيش أخباره إيه دلوقتي؟
مريم ابتسمت ببرود ورشفت من عصير البرتقال:

— أخته هبة كلمتني من أسبوع تتطمن عليا ولقيتها بتبكي وتقولي أخباره.
— وقال لك إيه؟
— أحمد بايع كل حاجة حيلته، وقاعد في أوضة مفروشة بالإيجار في شبرا. شغال مندوب مبيعات بعقد مؤقت في شركة صغيرة بمرتب ميكفيش أكله وشربه. ونهى شريف طبعاً سابته ورفعت عليه قضية عشان كان متداين منها بفلوس، وأمه لحد النهاردة رافضة تدخله بيتها أو تسامحه.
سارة هزت رأسها بقناعة:
— كما تدين تدان.. كان فاكر نفسه ناصح وهياكل حقك، طلع هو اللي اتأكل في الآخر.
مريم بصت للسما الصافية من شباك الكافيه، وتنهدت نفس طويل مليان راحة ونقاء:

— عارفة يا سارة؟ أنا مدمدمتش على أي جنيه صرفته أو أي يوم ضاع. الدرس كان غالي، بس نتيجته إني عرفت قيمتي. عرفت إن الست لما تقرر تتنازل وتوفر وتستحمل، ده بيكون حب وجدعنة مش ضعف ولا هبل.. ولما تقرر تاخد حقها.. بتقدر تاخده بالقانون وبكل شياكة.
مريم مسكت موبايلها، وفتحت أكونت الإنستجرام بتاعها.
نزلت صورة للبحر في شرم الشيخ.. الصورة اللي كانت معلقاها زمان على التلاجة وهي بتحلم بفسحة مع راجل مبيصونهاش.
وكتبت تحت الصورة كابشن صغير:
“الرحلة مكنتش لشرك الشقاء.. الرحلة كانت لنفسي.. وأخيرًا وصلت.”
وقد كان.

مريم أخدت الشنطة بتاعتها، وحجزت رحلة أسبوع كامل لوحدها في أفخم فندق في شرم الشيخ، من فلوسها اللي رجعت لها، ومن عرقها الصافي.
وقفت على شاطئ البحر، الميه الزرقا بتلمس رجليها، والهوا الطاير بيلعب في شعرها، وهي بتضحك من قلبها لأول مرة من سنين.. ضحكة ست عرفت إن أجدع اتفاق في الدنيا.. هو الاتفاق اللي بتعمله مع نفسك عشان تصون كرامتك وما تسمحش لأي حد في الدنيا يستغفلها تاني!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى