منوعات

الرز بايت ج 3 حكـايات مني السيد

بعدها بـ خمس دقائق، رن تليفون الأستاذ عصام. فتح السبيكر عشان أسمع.
صوت أحمد كان مكسور، مرعوب، وبيرتعش بشكل مش طبيعي:
ـ “أستاذ عصام! أرجوك يا أستاذ عصام! النيابة بعتت لطلب مجدي جوز أختي والشرطة جمت خدته من بيته! وأنا أصحابي في البنك قالولي إن الشقة عليها قرار تحفظ ومحدش يقدر يبيعها ولا يتصرف فيها! أرجوك خلّي سعاد تتكلم.. إحنا عشيرة تلاتين سنة!”
الأستاذ عصام بص لي، وأنا هزيت رأسي بالرفض، فرفع هو صوته بثبات:
ـ “عشيرة تلاتين سنة يا أستاذ أحمد؟ هي العشيرة برضه فيها تزوير توكيلات وابتزاز من تليفون جوز أختك؟

هي العشيرة فيها سرقة فلوس الست اللي كانت بتأمن بيها آخرت أمك؟”
أحمد بدأ يعيط.. آه والله، الراجل اللي كان من أربع وعشرين ساعة بيزقني وبيقولي “الباب يفوت جمل” كان بيبكي زي الأطفال في التليفون:
ـ “والله العظيم مجدي هو اللي أشار عليا بفكره التهديد دي! والله أنا مكنتش عايز أعمل كده! يا أستاذ عصام، أمي تعبانة في البيت وجالها هبوط في السكر لما عرفت إن مجدي اتقبض عليه وبنتها منى بتصرخ وتولول! سعاد فين؟ خليني أكلمها أترجاها!”
مسكت التليفون من الأستاذ عصام، وحطيت السماعة على ودني، وبصوت هادي جداً، أخف من النسمة، بس أتقل من الجبال:

ـ “أنا هنا يا أحمد.”
ـ “سعاد! حبيبتي.. أرجوكي! أرجوكي اسحبي البلاغ! مجدي هيتخرب بيته ومنى هتنقهر، وأمي يموت فيها! أنا مستعد أكتبلك شقة التجمع باسمك! مستعد أكتبلك البيت كله باسمك! بس بلاش النيابة والحبس!”
ابتسمت وأنا بقلّب المعلقة في كبابة القهوة:
ـ “شقة التجمع والبيت دول حقي بالقانون يا أحمد.. مش منكّة منك ولا تنازل. إنت مش بتديني حاجة من جيبك، إنت بترد اللي سرقته.”
ـ “طب خلاص! خدي حقك وزيادة! بس اسحبي المحضر بتاع الابتزاز! مجدي مالوش ذنب، ده كان بيساعدني أنا!”
ـ “مجدي اللي شتم في شرفي وذمتي المالية البارحة؟

منى اللي قالتلي إني ‘حافية وبتروحي وتيجي بالساعات وما حدش عارف بتعملي إيه’؟ ولا أمك اللي حطت قدامي طبق الرز البايت وقالتلي ‘على قد اللي بتدفعيه ده كفاية عليكي’؟”
أحمد بقى يتوسل:
ـ “حقك عليا أنا! أقطع لساني ولسانهم! أمي مستعدة تعتذرلك وتستقبلك في البيت وتبوس على رأسك! بس بلاش يخرب بيتنا!”
ـ “بيتك اتخرب من زمان يا أحمد..” ـ قلتها ونبرة صوتي كانت قطعية زي السيف ـ “اتخرب يوم ما نسيت ربنا، ويوم ما استخصرت فيا اللقمة النظيفة، ويوم ما اعتبرت عرق شقايا حق مكتسب ليك ولعيلتك. إنتوا ما كبرتوش بالكرامة، إنتوا كبرتوا بالاستغلال.”

ـ “يعني إيه يا سعاد؟ مش هتسامحي؟”
ـ “القانون هو اللي هيسامح أو يعاقب يا أحمد. الحقوق هتترد للقرش الواحد، وشقة التجمع هتتدرج ضمن مستحقاتي المالية، والـ 430 ألف بتوع تجديد البيت هيتحولوا لدَين رسمي مسجل بحكم محكمة على حصتك في العقار. أما بالنسبة للطلاق.. فورقتي توصلني على إيد محضر خلال أسبوع، يا إما دعوى خلع هتترفع بكرة الصبح وتتكتب في الجرايد.”
ـ “سعاد!! أرجوكي!!”
قفلت الخط في وشه.
قفلت الخط، وحسيت إن كل تلاتين سنة الوجع، والتعب، والسهر، والاهانة، والرز الناشف البايت.. طاروا في الهواء زي الهبار.
تمر الأيام..

بعد تلات شهور من الجلسات والتحقيقات، كان المشهد كالتالي:
مجدي اتكم عليه بسنة مع شغل ونفاذ بتهمة الابتزاز الإلكتروني والتهديد بتزوير محرر رسمي. منى أخته اضطرت تبيع عربيتها المستعملة عشان تدفع اتعاب المحامين ولغرامات، وقعدت في بيتها مكسورة العين والظهر، ما تقدرش ترفع عينها في وش حد من القرايب.
أحمد اتمسكت عليه كل الدلائل، واضطر بقرار من المحكمة والنيابة إنه يتنازل رسمياً عن شقة التجمع الخامس لصالحي لتسوية المبالغ المسروقة من “حساب مستقبل فاطمة” ومن حسابي الشخصي. ده غير إنه تم فرض حجز تحفظي على حصته في بيت العيلة لصالح دَين الـ 430 ألف جنيه اللي دفعتهم في التجديدات!

أما الحاجة فاطمة..
فلما عرفت إن ابنها “سيد البيت” اتعرى قدام القرايب والعيلة، وإن الشقة راحت والفلوس اتجمدت، وإن منى جوزها في السجن، جالها جلطة خفيفة، وقعدت في بيتها لا بتهش ولا بتهش، وما بقتش تطلب غير رضا ربنا ولقمة العيش، وبقت منى هي اللي بتخدمها وبتاكلها من بواقي أكل بيتها، بعد ما الكروت اتلغت والفيز اتسحبت!
وفي يوم مشمس جميل في القاهرة..
كنت واقفة في الشباك بتاع الشقة الجديدة اللي في التجمع الخامس.
شقة واسعة، يدخلها الشمس من كل ناحية، مفروشة بأرقى وأجمل العفش اللي شريته من فلوسي وحلالي.

نور بنتي كانت قاعدة جنبي، ماسكة كوباية القهوة وبتبصلي بفخر:
ـ “يا ماما.. أنا عمري ما شفت ست بقوتك دي. أنا بجد فخورة إنك أمي.”
مسكت إيدها وابتسمت من قلبي:
ـ “يا نور يا بنتي.. القوة مش إنك ما تقعيش، القوة إنك لما تقعي وتكتشفي إن اللي حواليكي بياكلوا في لحمك، تقومي وتقفي على حيلك وتوريهم إن الست اللي بتعرف تشتغل وتتعب، بتعرف كمان تاخد حقها بالقانون والكرامة.”
نور بَاست إيدي وقالت:
ـ “وطبق الرز البايت يا ماما؟”
ضحكت ضحكة عالية رنت في الشقة كلها، ضحكة صافية مفيهاش أي نقطة مرارة:

ـ “طبق الرز البايت ده يا نور.. كان أغلى درس في حياتي. كان هو الشرارة اللي صحّتني من نوم تلاتين سنة، عشان أعرف إن قيمتي أكبر بكتير من إن حد يحطها لي في طبق.”
قمت وقفت قدام مراية الشقة الجديدة.
بصيت لنفسي.. وشي كان رد فيه اللون، العيون السودة تحت عيني اختفت، والابتسامة رجعت لمكانها الطبيعي.
أنا سعاد..
الست اللي دفعت ثمن سكوتها تلاتين سنة، بس لما اتكلمت.. استردت عمرها، فلوسها، وكرامتها بالكامل.
تمت…

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى