
جلستُ في الغرفة الهادئة ببيت الحاجة أم أمل، وأمامي المستندات التجارية الجديدة التي تسلمتها من المحامي. كانت الأوراق تكشف المستور وتعرّي المستنقع الذي حاول حسن وشركاؤه التستر عليه.
لم تكن الشركة في الخارج مجرد عمل تجاري صغير كما أدعى، بل كانت منظومة مالية مسجلة باسم صوري، استخدم فيها حسن مدخراتي ليغطي بها على تحويلات ضخمة، هرباً من الضرائب ومن التزاماته المالية تجاهي وتجاه طفله. كان يظن أن تحايله الذكي سيبقى بعيداً عن أيدي القانون المصري، لكنه نسي أن العقود والتحويلات التي جرت بين حسابي وحسابه كانت تحمل توقيعات وأرقام تتبّع استطاع خبير الخبراء في المحكمة الاقتصادية فك شفراتها بسهولة.
اضطرت إلى بيع الحقيبة الماركة والهدايا التي أحضرها حسن بأسعار بخسة لتدفع ثمن العلاج الأولي لأمها.
* أم حسن، المقعدة التي صقفت لإهانتي، أصبحت تبكي ليلاً ونهاراً من شدة ألم الفراش والمهانة. أدركت أن الشغالة التي استأجروها يومين سرقت ما تبقى من طعام ومال وهربت، وأن ابنتها شيماء لا تطيق النظر إليها.
وفي يوم حار، جاءت شيماء إلى بيت الحاجة أم أمل للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم تكن تصرخ، بل كانت تجر قدميها بكسرة ونفس زكية.
وقفت على الباب وصوتها يتلعثم بالدموع:
“يا صباح… أمي بتمو.ت في البيت.
الدكاترة قالوا عندها تقرحات خطيرة ومحتاجة مستشفى ونظافة ودوا مش موجود… حسن محبوس والفلوس اتجمدت وما حيلتناش جنيه… أرجوكي يا صباح، أنتِ قلبك كبير، تعالي انقذي أمي حتى لو مش عشان حسن… عشان ربنا!”
خرجتُ إليها وأنا أقف بكل ثبات وقوة، ونظرتُ إليها بنظرة فارغة من العاطفة:
“لما كنتُ بشيلها على كفوف الراحة، كنتوا بتقولوا عليا خدامة وتدوني ميدالية ببلاش… لما كنت بصرف عليها من شقايا، كتبتوا مصاريفي في أجندة سودة وشتمتوني… أنا مش هعامل أمك بقسوتكم، ولا هسيب ست مريضة تمو.ت… بس مش هرجع بيتكم ولا هكون خدامة لحد.”
الرحمة في موضع القوة
بمساعدة الحاجة أم أمل وابنها، قمتُ بنقل أم حسن إلى دار رعاية متخصصة لكبار السن، وتم سداد التكاليف الأولى من المبالغ التي استرددتها رسمياً وبحكم محكمة من أصول حسن المحجوزة.
عندما دخلتُ على أم حسن في غرفة المستشفى قبل نقلها، بكت العجوز بحرقة، ومسكت يدي المبلولة بدموعها:
“سامحيني يا صباح… يا بنتي سامحيني! ظلمناكي وأنتِ الأصيلة الوحيدة في البيت ده… حسن ضاع وشيماء ضاعت، وأنتِ الوحيدة اللي صنتينا لما الكل باعنا…”
سحبتُ يدي ببطء وهدوء وقُلتُ لها:
“أنا عملت ده عشان ربنا وعشان ضميري… مش عشان حسن ولا عشانكم. حقك عليا في المرض أخدتيه، وحقي في الإهانة والض.رب أخدته بالقانون.”
المواجهة الأخيرة قبل الزلزال
ذهبتُ لمقابلة حسن في محبسه بطلب منه، بعد أن توسل للمحامي كي يراني ولو لخمس دقائق.
جلستُ أمامه يفصل بيننا حاجز سلكي. كان وجهه شاحباً، وقد فقد كل مظاهر الغرور والعنجهية.
قال بصوت مكسور يملؤه التوسل:
“صباح… التنازل يا صباح! أرجوكي تنازلي عن القضايا… أنا خسرت كل حاجة! الشركة راحت، والفلوس اتجمدت، وأنا هنا بمو.ت كل يوم ألف مرة… خدي كل اللي أنتِ عايزاه بس خرجيالبيت خاوٍ، الأم في دار الرعاية تتلقى العلاج من أموال أخيها المحجوزة بالقانون، وحسن يقبع خلف القضبان، وجميع الهدايا الفخمة والشنط الماركة تم بيعها بأسعار بخسة لسداد أبسط مصاريف الحياة.
في هذه اللحظة المظلمة من حياتها، لم تجد شيماء أمامها سوى ملجأ واحد، ملجأ طالما حذرها حسن منه في أيام عزه: “توفيق البقلي”.
توفيق لم يكن شخصاً عادياً، بل كان التاجر الذي دخل مع حسن في منافسة شرسة قبل سفره للخارج، وانتهت تلك المنافسة بخسارة توفيق لصفقة كبرى وتوعده لحسن بالانتقام يوم تُتاح له الفرصة.
كان يعلم أن حسن بنى ثروته على شقاء غيره، وكان ينتظر لحظة انكساره ليضع يده على كل ما يملك.
تسللت شيماء إلى مكتبه في حارة الجمالية، والدموع تمحو بقايا التبرج من وجهها:
“يا أستاذ توفيق… أنا جياك ومفيش قدامي غيرك. حسن أخويا مظلوم ومحبوس، ومراته صباح قفلت في وشنا كل الأبواب وأخدت كل الفلوس بحكم محكمة!”
ابتسم توفيق ابتسامة خبيثة، ومسح على شاربه وهو ينظر إليها بنظرات تقطر مَكراً:
“حسن مظلوم؟ ده حسن طمع في القريب والغريب! بس قوليلى يا شيماء… صباح دي قدرت توصل لكل أوراق حسابه وشركته إزاي؟
أصل أنا عارف إن حسن كان مسجل نص أصوله بره باسم شركة وهمية، وبأوراق عرفية محدش يعرف طريقها غيره!”
قالت شيماء بلهفة وجهل تام بالعواقب:
“أنا معايا نسختي من مفاتيح الخزنة القديمة اللي في شقة حسن! وفيها شوية أوراق وعقود هو كان مخبيها عن صباح وعن الحكومة كلها… لو ساعدتنا تخرّج حسن أو تضغط على صباح، يديك الأوراق دي وتعمل بيها اللي أنت عايزه!”
لم يصدق توفيق ما سمعته أذناه. كانت هذه هي الثغرة التي انتظرها لسنوات:
العقود العرفية والأوراق السرية التي تؤكد ملكية حسن للكيانات التجارية الوهمية في الخارج، والتي يمكن استغلالها لرفع قضايا تزوير واستيلاء مباشر على ما تبقى من أمواله قبل أن تسترد صباح حقوقها كاملة!
الترتيب للخديعة الكبرى
اتفق توفيق مع شيماء على مخطط خبيث:
* تسليمه كافة العقود والأوراق السرية الموجودة في خزنة حسن ببيت الزوجية المهجور.
* استخدام تلك الأوراق لإعادة رفع قضايا مطالبة مالية وهمية ضد حسن، تتهم فيها شركته القديمة بالدين والاستيلاء، مما يُربك حسابات المحكمة الاقتصادية ويُعطل حصول صباح على مستحقاتها المتبقية.
* ممارسة ضغط ميداني وشخصي على صباح في حي السيدة زينب لتهديدها وإجبارها على التنازل عن المحاضر وقضايا النفقة.
في اليوم التالي، تسللت شيماء مع أحد أتباع توفيق إلى شقة الزوجية المغلقة. فتحت الخزنة واستخرجت الملفات السرية التي كان حسن يحفظها كرتيل أخيرة لمستقبله. تسلم توفيق المجلدات، وهو يشعر أنه ملك السوق وسحب البساط من تحت أقدام الجميع.
لكنهما نسيا شيئاً واحداً: أن الشقة كانت تحت مراقبة حراس الحي وأعين القانون، وأن الحركة الغريبة داخل بيت مهجور ومحجوز عليه تحفظياً لم تمر مرور الكرام!
الاستدراج المتقن في السيدة زينب
وصلتني الأخبار فوراً من المعلم ابن الحاجة أم أمل:
“يا أبلة صباح… أخت حسن اتسللت للشقة القديمة ومعاها واحد غريب ونزلوا ومعاهم شنطة أوراق ثقيلة!”
لم أرتجف، بل ابتسمتُ بثبات وقدرة على إدارة الأزمة أذهلت المحامي نفسه. قلتُ له:
“توفيق البقلي افتكر إن شيماء طوق نجاة، وما يعرفش إنها المسمار الأخير في نعشه ونعش أخوها. الأوراق اللي في الخزنة دي أنا كنت مصوراها فيديو وموثقاها عندي قبل ما أخرج من البيت يوم ما حسن ض.ربني، وعارفة كل كلمة فيها!”
في عصر اليوم نفسه، حاصر توفيق حيينا الشعبي في السيدة زينب.
جاء بظهر قوي وعدد من رجاله، ووقف أمام بيت الحاجة أم أمل يطلب مقابلتي بصلف وتحدٍ، وظناً منه أن العقود السرية في جيبه ستجعلني أركع.
خرجتُ إليه برفقة المحامي ورجال الحي الذين وقفوا كالجبال خلفي.
قال توفيق بنبرة حادة وابتسامة ساخرة:
“يا مدام صباح… اللعبة كبرت عليكي! الأوراق اللي فاكرة إنك هتاخدي بيها بقية الملايين بقت في إيدي، وعندي عقود بدين قديم على حسن بأكثر من مليون دولار! يعني لا هتشوفي جنيه ولا هتنفعك محاكم… التنازل عن القضايا هو الحل الوحيد ليكي ولابنك، بدل ما تطلعي من المولد بلا حمّص!”
نظر إليه المحامي ثم نظر إليّ، فربدتُ على ذراعه وتقدمتُ خطوة نحو توفيق، وقُلتُ ببرود يقصم الظهر:
“أنت فاكر إنك شاطر يا توفيق؟ الأوراق اللي شيماء سرقتها لك من الشقة المحجوز عليها رسمياً بتهمة الخيانة والأمانة، هي عقود مزورة ومتهربة من الضرائب، وحسن كان كاتبها كغطاء عشان يهرب من الديون!
وأنا قدمت أصل الصورة الضوئية الرسمية للنيابة العامة من أسبوع كامل بصفة بلاغ رسمي عن التهرب الضريبي وغسيل الأموال!”
اتسعت عينا توفيق وصُدم، وتراجع خطوة للخلف وهو يستوعب الكارثة.
أكملتُ بصوت حاسم يزلزل الأرض تحت قدميه:
“أنت دلوقتي مش بس بتهددني… أنت دخلت شريكة في قضية تستر وسرقة أوراق محجوز عليها قضائياً، والسرقة دي تمت بالاشتراك مع شيماء! والشرطة زمانها طالعة على مكتبك في الجمالية بتهمة حيازة مستندات مسروقة والاشتراك في التزوير!”
السقوط الجماعي
لم يكد توفيق ينطق بكلمة واحدة حتى سُمعت سرينات سيارات الشرطة تنهال على الحارة!
فقد أعددنا كميناً محكماً بالتنسيق مع النيابة العامة لضبط توفيق وشيماء متلبسين باستخدام أوراق مسروقة من شقة خاضعة للحجز التحفظي.
تغيرت ملامح توفيق من الطغيان إلى الرعب الخالص. حاول التراجع وركوب سيارته، لكن رجال الحي وقوات الشرطة كانوا أسرع منه. تم إلقاء القبض عليه وعلى أتباعه وسط ذهول شيماء التي كانت تقف على رأس الحارة تنظر للرعب وهو يبتلع الجميع.
سقطت شيماء على الأرض تبكي وتصرخ:
