منوعات

انا وجوزى حكايات رومانى مكرم 3

أنا وقفت في نص الأوضة، حاسة بوجع هز كياني. وبصيت لأمي، وعلى الرغم من كل اللي عملته، كأن في غريزة جواه زقتني ناحيتها. قربت منها، ووطيت على الأرض، ومسكت إيدها الباردة عشان أقومها. أمي بصتلي بعيون مليانة خزي، وإيدها كانت بترتعش في إيدي وقالت بصوت مكسور: “أمل.. يا بنتي.. أنا أسفة.. أنا كنت عمياء.. اتضحك عليا من ولادي اللي بطني شالتهم.. دمرت بيتك يا بنتي بإيدي.” قبل ما أرد عليها، صالح قرب منا بخطوات ثقيلة. كان وشه أصفر ونظراته بقت عبارة عن كتلة من الصخر والجمود. بص لأمي وهي على الأرض، وبعدين بصلي.

“مبروك يا أمل..” قالها بصوت هادي ومسموم، يقطع القلب أكتر من الزعيق: “مبروك الكفالة لأمك.. ومبروك الخيانة اللي ظهرت في عيلتك كلها من الكبير للصغير.. أدي أهلك اللي ضيعتي بيتك عشانهم.. أدي العيلة اللي وثقتي فيها وأمنتيها على شقايا.” قمت وقفت قدامه، وبصيت في عينيه وقلت بنبرة ثابتة رغم الكسرة اللي جوايا: “أنا مدافعتش عنهم يا صالح.. ولا كنت أعرف باللي عملوه.. أنا مصدومة فيهم أكتر منك! أختي وأخويا وأمي طعنوني في شرفي وبيتي.. بس أنت كمان طعنتني لما رميتني وبعتني وأخدت بناتي مني في لحظة أنا كنت محتاجة إيدك تسندني فيها!”

صالح قرب وشه مني وقال بصوت واطي بس حاد زي السكــ,,ـــــين: “أنا مابيعتش يا أمل.. أنا اتجرحت في كرامتي وفي شرفي وفي شقا عمري! والست اللي تسمح لأهلها يوصلوا جوزها للجلطة وتفرج عليه القسم والنيابة، ميبقاش ليها مكان في حياتي. الفلوس والسبائك اللي هترجع من الإنتربول أو من الصاغة هتاخدي نصيبك منها بالقانون زي ما طلبتي قدام وكيل النيابة.. أما بناتي، فدول خط أحمر، مش هيتربوا في جو الخيانة ده!”

لف صالح وشه ومشي بسرعة من غير ما يدي فرصة لأي كلام، ومحاميه مشي وراه. وقفت أنا وأمي في ممر النيابة الفاضي. أمي ساندة عليا وبتعيط بقلة حيلة، وأنا حاسة إني شايلة جبلين على كتفي: جبل أهلي اللي دخلوا السجــ,,ـــــن وانفضحت خيانتهم قدام الدنيا، وجبل جوزي اللي اتطلق مني وأخد بناتي وراحه بلدهم ورفض يسامحني. دفعت كفالة أمي من المبلغ الصغير اللي كان باقي معايا في البنك من قطري، وأخدتها ورجعنا الشقة. البيت كان مظلــ,,ـــــم وبارد كأنه بيت مهجور. أمي دخلت الأوضة ونامت على السر,,ـــــير زي الجــ,,ـــــثه، مابتتكلمش ولا بتاكل، وعينيها متثبتة في السقف.

أنا قعدت في الصالة، وبصيت على اللعب بتاعة البنات المرمية في الزاوية.. عروسة نور الصغيرة، وفردة جزمة فريدة. مسكتهم وحــ,,ـــــضنتهم لصدـ,,ـــري وبكيت بكاء طالع من حشاشة قلبي. مرت ثلاثة أيام وأنا محبوسة في البيت بين دموعي وصمت أمي القاتل. وفي اليوم الرابع، تليفوني رن.. كان رقم غريب من الشرقية. رديت بسرعة وقلبي بيدق: “أيوة؟” صوت ست كبيرة جه عبر الخط، وكان صوت حاد وصارم.. صوت حماتي، أم صالح!

“أيوة يا أمل..” قالت حماتي بجفاء وجمود: “أنا بكلمك عشان أقولك كلمتين مفيش غيرهم.. صالح ابننا جاب البنات هنا وهو راقد في السر,,ـــــير مش بيتحرك من زعل قلبه، والأطباء قالوا عنده بداية شلل نصفي من الصدمة والجلطة القديمة!” قلبي اتخلع من مكانه وصرخت: “شلل؟! صالح جراله إيه يا حجة؟! قوليلي أرجوكي!”

حماتي كملت بصرامة خالية من أي رحمة: “ابني بيمــ,,ـــــوت بسببك وبسبب أهلك الحرامية! وهو حلف دين يمين ما تخشي البلد ولا تشوفيه ولا تشوف البنات تاني طول ما هو حي! وأنا بكلمك عشان أقولك.. لو لسه في قلبك نقطة دين أو أصل، ابعدي عن طريق ابننا وسيبيه يمــ,,ـــــوت في هدوء من غير ما تكملي عليه أنتِ وأهلك!” قفلت الخط في وشي قبل ما أرد. أنا وقفت في نص الصالة، والتليفون اتزحلق من إيدي ووقع على الأرض. صالح جاله شلل؟! صالح الجبل اللي كان شايلني وشايل بناته يقع بالطريقة دي؟! وبناتي محبوسين هناك في البلد ومش قادرة أوصلهم ولا أضمهم؟!

في اللحظة دي، حسيت إن الصدمات أكلت كل الخوف اللي جوايا. مابقاش عندي حاجة أخسرها. أهلي في السجــ,,ـــــن، جوزي مريض ومشلول في بلده وبناتي محروقين من بعدي، وأنا مسجونة في وجعي! مسحت دموعي بإيدي بقوة، وبصيت في المراية.. شفت وش واحدة ثانية. مابقتش أمل الضعيفة المخدوعة اللي بتستسلم وتعيط.جمعت هدومي في شنطة صغيرة، وطلعت الأوراق والفواتير بتاعة الدهب والسبائك، وأخذت القرار اللي هيغير كل حاجة في القصة دي. مش هسيب جوزي يمــ,,ـــــوت بحسرته، ومش هسيب بناتي يتسرقوا مني، ومش هسيب أختي نجلاء تتمتع بالفلوس الحرام في دبي وتضحك علينا كلنا!

خرجت من البيت ورحت مباشرة على مكتب محامي كبير متخصص في القضايا الدولية والأحوال الشخصية.. دخلت مكتبه وقعدت بثبات وقوة لم أعهدها في نفسي من قبل.

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى