
إيدي كانت بترتعش وأنا بمسك التليفون. اتصلت بـ حسام، وزمانه حاسس بنبرة صوتي.. دقايق وكان نازل. أول ما دخل الشقة، عينيه جت في عين صالح، وكان باين عليه التوتر. قبل ما صالح ينطق، حسام حط إيده في جيبه وقال ببرود مرعب ووش ملوش أي تعبير: “الدهب اتسرق يا صالح.. الشقة عندي اتكسرت من ست شهور والدهب اتسرق ضمن الحاجات اللي اتسرقت.” أنا صرخت بدون ما أحس: “إيه؟! اتسرق إزاي؟! وأنا ليه محدش قال لي؟!”
حسام كمل بنبرة ثابتة ومستفزة: “خفنا نقولكم في الغربة تقلقوا وتتعبوا.. وأنا عملت محضر في القسم وقتها، وتقدروا تروحوا تشوفوا المحضر بنفسكم.. القانون موجود.” صالح قام وقف، جسمه كله كان بيتنفض من الصدمة والغضب، عيونه كانت بتطلع شرار وهو بيبص لحسام ولأمي اللي كانت مخبية وشها بين إيديها. قرب من حسام خطوة واحدة وصوته هز أركان البيت: “نعم؟! دهب إيه ده اللي اتسرق يا روح أمك؟! دهب إيه اللي خايفين تقولولنا عليه؟! الدهب ده النهاردة يعمل أكتر من ٣ مليون جنيه! ده شقا أربع سنين غربة.. أربع سنين طحن وحرمان أنا ومراتي عشان في الآخر تقولي اتسرق وعملت محضر?!”
حسام وقف قصاده بكل ثبات وقاحة وقال: “جرى إيه يا صالح؟ بتتهمني يعني؟ المحضر في القسم، روح اسأل المباحث!” #الكاتب_رومانى_مكرم_ صالح بصلنا كلنا، ونظرة عينيه اتغيرت تمامًا.. مابقتش شايف جوزي الحنين اللي أعرفه، بقت عيون واحد خسارة عمره كلها قدامه ومش باقي على حاجة. قرب مني ومسكني من دراعي بقوة وقال بأسنان مطحونة: “قومي معايا يا أمل.. قومي يا بنت الأصول عشان شكل الحساب بيني وبينك وبين أهلك يلا هيبدأ النهاردة!”
صالح خطى خطوتين ناحية الباب، وفجأة خطواته تقلت، إيده اللي كانت ماسكة دراعي ترخت، وعينيه زغللت وهو بيبصلي بنظرة عجز وكسرة عمرها ما دخلت عينيه.. وقبل ما ألحق أسنوده، حسيت بجسمه كله بيهوي زي الشجرة المقطوعة، ووقع بطوله على الأرض ساكت وزي الميت! صالح وقع على الأرض زي القتيل، وشي اتقطع منه الدم وأنا برمات نفسي جنبه، بصرخ وبضــ,,ـــــرب على وشي بحست كبدي: “صالح! رد عليا يا صالح! حبيبى أوعى تسيبني!”
صرختي شقت سكون الشارع كله، صرخة طلعت من جحيم جوة صدـ,,ـــري وأنا شايفه الجبل اللي كنت بتسند عليه مكوم على الأرض بين إيديا، من غير حركة، وشه أصفر زي الورق الناشف وشفايفه أزرقّت في ثواني. أمي سابت مكانها وجت تجري وهي بتلطم على وشها: “يا مري! الراجل مات في إيدينا! يا لهوي يا صالح!”، وحسام أخويا كان واقف مكان متسمر، ملامحه اللي كانت مبينة البرود والتبجح ات هزت لحظة، بس عينيه كان فيها نظرة خوف مش على صالح.. خوف من اللحظة اللي الدنيا تتقلب فيها عليه.
“أقفو اتفرجوا عليا!” صرخت في حسام بصوت تقطع من الدموع: “شييل معايا! شيل جوزي الله يخرب بيوتكم كلكم! لو جراله حاجة مش هسيبك يا حسام.. والله ما هسيبك!”
حسام قرب بلهفة مرتبكة، وشال معايا صالح وخرجنا بيه للشارع زي المجانين. الشارع كان هادي، صرخي لم الناس، وواحد من جيراننا فتح باب عربيته وبسرعة شيلنا صالح وحطيناه في الكنبة الوراانية. ركبت جنبه، حاطة رأسه في حــ,,ـــــضني، إيدي بتترعش وهي بتلمس جهته السخنة، وببوس إيديه اللي اتشققت من الشقا في قطر عشان يجمع جنيه على جنيه. كنت بكلمه وبترجاه: “عشان خاطري يا صالح.. عشان خاطر البنات اللي ملهمش غيرك في الدنيا، فتح عينك، توغور الفلوس، يغور الدهب، يغور كل حاجة بس أنت تفضل واقف على رجلك.. يا رب يا رب ما تحرمنيش منه.”
وصلنا المستشفى، وبسرعة الدكاترة والتمريض جم يجروا بالترولي، زقوا صالح ودخلوا بيه الأوضة، والباب اتفل في وشي. وقفت ورا الباب الزجاجي، عيني مش مفارقة أجهزة القلب اللي بدأت تطلع أصوات منتظمة ومرعبة في نفس الوقت. حسام كان واقف بعيد، حاطط إيده في جيبه وساند ضهره على الحيطة، بيحاول يبان متماسك، وأمي قاعدة على الكرسي بتبكي بقلة حيلة.

